العيني
43
عمدة القاري
وقال : الآن تصوب عيرهم من ثنية التنعيم البيضاء . يقدمها جمل أورق عليه غرارتان إحداهما سوداء والأخرى برقاء ، قال : فابتدر القوم الثنية فوجدوا مثل ما أخبر ، صلى الله عليه وسلم . وعن السدي : أن الشمس كادت أن تغرب قبل أن يقدم ذلك العير فدعا الله ، عز وجل ، فحبسها حتى قدموا كما وصف لهم قال : فلم تحبس الشمس على أحد إلاَّ عليه ذلك اليوم ، وعلى يوشع بن نون ، رواه البيهقي . قلت : حبست أيضاً في الخندق حين شغل عن صلاة العصر حتى غابت الشمس فصلاها ، ذكره عياض في ( إكماله ) وقال الطحاوي : رواته ثقات ، ووقع لموسى ، عليه الصلاة والسلام ، تأخير طلوع الفجر ، روى ابن إسحاق في المبتدأ من حديث يحيى بن عروة عن أبيه ، أن الله عز وجل ، أمر موسى ، عليه الصلاة والسلام ، بالمسير ببني إسرائيل ، وأمره بحمل تابوت يوسف ولم يدل عليه حتى كاد الفجر يطلع ، وكان وعد بني إسرائيل أن يسير بهم إذا طلع الفجر ، فدعا ربه أن يؤخر طلوعه حتى يفرغ من أمر يوسف ففعل الله ، عز وجل ، ذلك . وبنحوه ذكر الضحاك في ( تفسيره الكبير ) وقد وقع ذلك أيضاً للإمام علي ، رضي الله تعالى عنه ، أخرجه الحاكم عن أسماء بنت عميس أنه صلى الله عليه وسلم نام على فخذ علي ، رضي الله تعالى عنه ، حتى غابت الشمس ، فلما استيقظ قال علي ، رضي الله تعالى عنه : يا رسول الله ! إني لم أصل العصر ! فقال صلى الله عليه وسلم : اللهم إن عبدك علياً احتبس بنفسه على نبيك ، فرد عليه شرقها . قالت أسماء : فطلعت الشمس حتى وقعت على الجبال وعلى الأرض ، ثم قام علي فتوضأ وصلى العصر ، وذلك بالصهباء ، وذكره الطحاوي في ( مشكل الآثار ، قال : وكان أحمد بن صالح يقول : لا ينبغي لمن سبيله العلم أن يتخلف عن حفظ حديث أسماء لأنه من أجل علامات النبوة . وقال : وهو حديث متصل ، ورواته ثقات وإعلال ابن الجوزي هذا الحديث لا يلتفت إليه . وكذلك وقع لسليمان ، عليه الصلاة والسلام ، روي عن ابن عباس أنه قال : سألت علي بن أبي طالب ، رضي الله تعالى عنه ، عن هذه الآية * ( إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب ) * ( ص 1764 ; : 23 ) . فقال : ما بلغك في هذا يا ابن عباس ؟ فقلت له : سمعت كعب الأحبار يقول : إن سليمان ، عليه الصلاة والسلام ، اشتغل ذات يوم بعرض الأفراس والنظر إليها حتى توارت الشمس بالحجاب ردوها علي يعني الأفراس ، وكانت أربعة عشر ، فردوها عليه فأمر بضرب سوقها وأعناقها بالسيف ، فقتلها ، وإن الله تعالى سلب ملكه أربعة عشر يوماً لأنه ظلم الخيل بقتلها ، فقال علي ، رضي الله تعالى عنه : كذب كعب ، لكن سليمان اشتغل بعرض الأفراس ذات يوم لأنه أراد جهاد عدو حتى توارت بالحجاب ، فقال يأمر الله للملائكة الموكلين بالشمس ، ردوها علي ، يعني الشمس ، فردوها عليه حتى صلى العصر في وقتها ، وأن أنبياء الله لا يظلمون ولا يأمرون بالظلم ، ولا يرضون بالظلم لأنهم معصومون مطهرون . قوله : ( ملك بضع امرأة ) ، بضم الباء ، وهو النكاح أي ملك عقدة نكاحها ، وهو أيضاً يقع على الجماع وعلى الفرج . قوله : ( وهو يريد ) الواو فيه للحال . قوله : ( أن يبني بها ) أي : يدخل عليها وتزف إليه ، ويروى : أن يبتني ، من الابتناء من باب الافتعال . قوله : ( ولما يبن بها ) أي : والحال أنه لم يدخل عليها . قوله : ( أو : خلفات ) ، جمع خلفة ، بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام وفتح الفاء . وقال ابن فارس : هي الناقة الحامل ، وقيل : جمعها مخاض على غير قياس ، كما يقال لواحدة النساء : امرأة ، وقيل : هي التي استكملت سنة بعد النتاج ، ثم حمل عليها فلقحت ، وقيل : الخلفة التي توهم أن بها حملاً ، ثم لم تلقح . وقال الأصمعي : فلا تزال خلفة حتى تبلغ عشرة أشهر ، وقال الجوهري الخلفة ، بكسر اللام المخاض من النوق ، الواحدة خلفة . وفي ( المغيث ) : يقال : خلفت إذا حملت ، واختلفت إذا حالت ولم تحمل . قوله : ( فدنا من ا لقرية ) قيل : هي أريحا . وقال ابن إسحاق : لما مات موسى ، عليه السلام ، وانقضت الأربعون سنة بعث يوشع بن نون نبياً ، فأخبر بني إسرائيل أنه نبي الله ، وأن الله قد أمره بقتال الجبارين فصدقوه وبايعوه ، فتوجه ببني إسرائيل إلى أريحا ومعه تابوت الميثاق ، فأحاط بمدينة أريحا ستة أشهر فلما كان السابع نفخوا في القرون ضج الشعب ضجة واحدة ، فسقط سور المدينة ، فدخلوها وقتلوا الجبارين ، وكان القتال يوم الجمعة ، فبقيت منهم بقية ، وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت فخشي يوشع أن يعجزوا فقال : اللهم أردد الشمس علي ، فقال لها : إنك في طاعة الله ، وأنا في طاعة الله ، وهو معنى قوله : إنك مأمورة وأنا مأمور ، يعني : إنك مأمورة بالغروب وأنا مأمور بالصلاة أو القتال قبل الغروب . قوله : ( فلم تطعمها ) ، أي : فلم تطعم النار الغنائم ، وإنما قال : فلم تطعمها ولم يقل فلم تأكلها للمبالغة ، إذ معناه : لم تذق طعمها ، كقوله تعالى : * ( ومن لم يطعمه فإنه مني ) * ( البقرة : 942 ) . قوله : ( إن فيكم غلولاً ) ، وهو الخيانة في المغنم ، وكان من خصائص الأنبياء المتقدمين